صحيفة الوقت-بروفايل
وكيف استطاع ذلك الآثم أن يقتحم قصر الإمام يا ترى؟ أجابتني أختي إجابة فيها الكثير من الحسرة، لكي تصحح فهمي للإمام، فهو ليس الملك الذي أسمع عنه في القصص والحكايا، وهو ليس النبي سليمان، ولا غيره، إنه إمام هدى قد اجتباه الله تماما كما اجتبى جده الرسول، وقد استشهد في داره مسموماً، لم أجد سؤالاً مشابهاُ يتناسب مع تصوري لمقتل الإمام الحسين، فهذا الإمام لم يقتل في داره، وإنما قتل في معركة، وكثيراً ما تخلد المعارك العظام صور قتل النبلاء والعظماء أو هزيمتهم فيها، سواء كانوا على الحق أو على الباطل، وما عرفت حينها سوى أن الحسين شهيد في كربلاء.
ناعية الحسين
ومعالم أضحت مآتم لا ترى ** فيها سوىناع يجاوبناعيه، كان صوت الحسين يصدح ويزلزل في بيتنا كل يوم، عبر إذاعة طهران، صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، كان أبي وأختي يحرصان على وضع الراديو قربهما، قبيل الغداء، بالرغم من الصوت المزعج الذي تصدره موجة 12:24 جراء التشويش عليها، بعد موجز الأنباء وأنشودة التوحيد الثورية التي تسبقه، تبدأ المحاضرة الحسينية التي ربما كانت تذاع لأول مرة في التاريخ عن طريق الراديو، وهكذا فإن صوت الشيخ الوائلي، والمالكي، والمقدسي، ظل ملازماً للصورة التي تحتفظ بها الذاكرة لوالدي وهو يتناول غداءه وسط قاعة المنزل، حينها فقط استشعرت “قدسية” الحسين، ولما أعرف بعد من هو الحسين ولماذا نعيش الحسين ولماذا نبكي الحسين؟
لماذا كان وحيداً
في سن التاسعة، وبعد انتقالنا للعيش في قرية سار، حضرت لأول مرة المأتم الحسيني، صحيح أن حضوري هذا كان بمعزل عن والدي الذي كان يحضر المأتم نفسه، ولكن ثمة أحداث كانت قد حفرت في ذاكرتي عنه بحيث يستحيل انتزاعها، كان والدي يوم العاشر يحضر مأتم الحسين، وبعد انتهاء المأتم لم يكن والدي يقوى على المشي في العزاء، ولكنه لم يرجع إلى البيت، كانت ليوم العاشر رهبة لا تخفى، ولكن غياب والدي الغريب جعل العائلة كلها تتوجس في ذلك اليوم، ذهبت مسرعاً أبحث عنه في الأماكن التي يرتادها عادة، بعد أن أعياني التعب، هممت بالرجوع، والتفتُّ إلى إحدى الزوايا، كان أبي يجلس وحيدا منكس الرأس قد احمرّت عيناه من البكاء والنحيب، لا أتذكر تحديدا ماذا جرى بيننا من حديث، ولكن ما أذكره هو ذلك الأثر الذي أحدثه هذا الموقف في نفسي وربما في علاقتي بالحسين.
في كل شاردة
في قرية سار، وبعد مرض والدي، كنت خفية أخرج من المنزل، وأذهب للمأتم، كان أخوتي ووالدتي لا يسمحون لي بالخروج، وفي أحسن الأحوال لا يسمحون لي بالتأخر، كنت ولاختلاطي المتميز بذلك المجتمع الجديد، أحب بشدة أن أجتمع معهم في المأتم، كانت هذه التجمعات لا تطغى على تنبهي لما يقوله “الملا”، وكنت ألتفت إليه ولما يرويه من سيرة الحسين، كان أكثر ما طبع في ذهني صور اللافتات السوداء حين تعلق في الشوارع، من هذه الثقافة المكتوبة، عرفت شعارات الحسين، ولا أستطيع أن أصف شدة تأثير هذه الشعارات في نفسي، ولكن أفضل ما يصور ذلك، هو الحادثة التي جرت معي في الصف السادس الابتدائي، حين انتهيت من امتحان اللغة العربية النهائي بشكل سريع، ووجدت نفسي تلقائياً أنشغل بكتابة ما حفظته من تلك الشعارات (نثراً وشعراً) في حواشي صفحات الامتحان، (إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منّا الذلة)، (يا نفس من بعد الحسين هوني، وبعده لا كنت أو تكوني، هذا الحسين وارد المنون، وتشربين بارد المعين) (الموت أولى من ركوب العار، والعار أولى من دخول النار)، وكأنني أزين ورقة إجابتي التي لا ترتبط بها من قريب أو بعيد، في اليوم الثاني، رأيت مدرس المادة (الشيعي الذي يحبني كثيراً)، قد امتلأ وجهه غضباً، على غير العادة، التفت إليّ، واستدعاني، وقال لي: سيد، إما أن تخرج خارج القاعة، أو أن أذهب بورقة امتحانك ليوم أمس إلى مدير المدرسة، حينها تسرب الخوف إلى كل بدني، ولم أعرف لماذا يفعل بي هذا المدرس العزيز كل هذا؟ همس أحد أصدقائي في أذني، بعد أن وزعت الأوراق على جميع الطلاب، وقال لي: إذهب وقل له آسف، ولولا هذه الكلمة لما عرفت ماذا ستكون تبعات هذه القضية؟ في السنة التي تلتها طلب منا أستاذ اللغة العربية أن نكتب قصة قصيرة عن عصفور، لم أكن أحب التخيل ولا القصص بشكل عام، كتبت قصة غريبة عن عصفور يتم اصطياده ووضعه في قفص ثم يردد (لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما)، عصفوري هذا كان لا يتحدث إلا بهذه المقولات في كل القصة، وقد وضع الأستاذ خطوطاً حمراء أسفل كل هذه المقولات، وفي الواقع لم أكن أعرف ماذا يعني بهذه الخطوط؟
العلامة الفارقة
مع افتتاح المأتم الكبير في سار، وقبل أحداث التسعينات بعام، انتظم في إمامة الجماعة الشيخ عبد الأمير الجمري كل ثلاثاء في المسجد الوسطي، وفي نفس الليلة، يقيم المأتم مجلسا حسينياً يعتلي فيه الشيخ المنبر، كانت محاضرة الشيخ التربوية الأخلاقية ذات قيمة عالية، حيث اقتحمت تركيبتي النفسية والعقلية بقوة، وفي فترة متأخرة من التسعينات (بعد الأحداث بسنتين)، انتظمت في حضور مآتم السنابس، واستمر حضوري هذه المآتم وخصوصاً مأتم السنابس (الجديد) إلى سنتي الجامعية الثانية، وهناك كان آخر خطيب استمعت له هو الشيخ إبراهيم الأنصاري، وكان هذا الخطيب علامة فارقة في حضور الحسين إلى عقيدتي وتفكيري أضيفت إلى تلك العلامات التي لم يكن آخرها الخطبة الأولى للشيخ عيسى قاسم بمناسبة العاشر من المحرم بعد عودته إلى البلاد.
كان الشيخ عيسى، يضج بالهتاف: حسين، حسين، والناس كلهم يهتفون وراءه، لم يكن الشيخ يراجع نصف كلمة يريد أن يقولها، ولم يكن يبدو بأن الشيخ يخطب ارتجالاً، كان الشيخ ينقلنا من معسكر يزيد إلى معسكر القدس الذي تلتئم فيه ذلك الوقت شرارة الانتفاضة الثانية، ومن معسكر الحسين إلى معسكر السيد الإمام وخليفته السيد القائد، كان يجاهر بالولاء إليهم، كنواب عن الإمام الغائب، كان يحضرهم إلى الحسين ويحضر الحسين إليهم بصورة لا ينتاب إليك الشك في كونها الحق كل الحق، كنا نهتف وراء الشيخ دون أن يحتاج الشيخ إلى من يستفز الناس للهتاف كما يحصل اليوم، وكنا نقف حينما يدير الشيخ وجهه دون أن يطلب منا أحد أن نقف، كنا نحس بأننا في معسكر الحسين عليه السلام، في ذلك الظلام المكتظ بالمصلين، كان عنوان الصلاة، التأسي بصلاة الحسين يوم العاشر، كانت صلاة الشيخ وخطبته وحضورنا في خطبته كلها حسين في حسين.
تستنقذني من الحيرة
قبل أن أصل إلى ذروة هذا الاستشعار، كنت قد هممت بالاطلاع على عدة من الكتب والمحاضرات التي استفزتني إليها كل المقدمات السابقة، كنت أبحث في كتاب مثل كتاب (البداية والنهاية، تاريخ ابن الأثير) أو تاريخ الطبري عن كل ما يخص السنة الحادية والستين للهجرة، ماذا حصل، وماذا يقول المؤرخون (السنّة تحديدا) عن مقتل الحسين، في تلك الأثناء كنت أطلع على مكتبة والدي التي صنفت فيها فيما بعد رفاً خاصاً بالكتب الحسينية، كان أهم ما تناولته كتاب نادر ولطيف هو:….، من تلك الكتب، تناهى إلى سمعي لأول مرة كتاب الملحمة الحسينية، كان صداه واسعاً جداً، ولكني لم أعرف لماذا، عرفت فقط بأنه للشهيد مطهري، كان أحدهم يقول، كل خطيب لم يقرأ الملحمة الحسينية لا يستحق أن يستمع إليه، استعرت الكتاب من أحد الأصدقاء، وبدأت بقراءة بعض أجزائه، وتعقّدت “ملحمة الحسين” في ذهني كثيراً، أحسست في كثير من الأحيان بالتوهان، وبالحيرة، قد كانت تحير في ذهني أفكار مشابهة، عن تحريف السيرة، وتحريف المعنى، كان أكثر ما جذبني مطهري إليه الحالات التي يصورها الخطباء عن الحسين افتراءً وبغرض تشديد المصيبة، وتحريف هدف المجالس الحسينية إلى مواساة الزهراء، والتجاوزات التاريخية الصريحة في الحادثة كقضية القاسم وقضية ليلى أم الأكبر، وكان مطهري يروي الكثير الكثير من الشواهد والقصص ويحلل الموضوع تحليلا تاريخياً وعقلياً، بعد مطهّري نشفت دموعي على خدي طويلاً ولم أكن أبكي بسهولة.
لم ينكسر هذا الحاجز النفسي إلا بوفاة والدي، العلامة الفارقة الأخرى، التي غيّرت حتى في طريقة بكائي، وأحالته إلى نحيب وأنين، كلما ذكر اليتم وذكرت سكينة أو حميدة بنت مسلم أصابني الهول، اللطيف أن والدي كان يسميني وأخي الصغير بأولاد مسلم، تعمق المقام التراجيدي للمآتم في تكويني النفسي، وتلوّنت مشاهد الوفاء بين الأخوة، والحسرة على فقد الحبيب، والرمي بالنفس من أجل المعشوق، وتقديم جواد المنية للحسين بيد أخته زينب، وحمل الأطفال والصغار والهروب من المخيمات، واللجوء إلى أجساد الموتى، وسقوط النبلاء والشرفاء، تلونت كل هذه المشاهد بالحزن المأساوي، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، فبعد سلسلة من الأحداث السياسية والصدمات الفكرية، دخلت على الخط التراجيدي الكثير من المراجعات، وتلك حكاية تحتاج إلى كتابة أخرى.