صحيفة الوقت-بروفايل
وأنا لا زلت أفكر كيف سأبدأ حديثي الحائر هذا، بعد أن زادني مقال الديري حيرة في نمط التفكير الذي يجب أن يصاغ عليه العقل البشري، كنت قد بدأت أقلب حبات البطاطس في وجبة العشاء السريعة، ابني الذي كان إلى جانبي سألني مشيراً إلى (معجون الطماطم المسكوب: الكاتشاب): ما هذا؟ قلت له ‘’كاتشاب’’، فقال ‘’من أين؟’’ فأريته الكيس الصغير، فقال ‘’أمن هذا؟’’ قلت له ‘’نعم’’ فطأطأ رأسه متأملاً! ابني الذي تعوّد أن يرى ‘’الكاتشاب’’ مسكوباً من ‘’زجاجة’’ لم يعرف الكاتشاب حين لم ير الزجاجة، شكك في ماهيته، وعندما تيقن بأنه هو، سأل نفسه من أين؟ حينها فقط، تيقنت أن الإنسان إنما خلق ليسأل وإنه لا يسأل إلا وأن يكون قد شك أو لم يعرف.
كيف للطفل وهو لا يعرف بعد ما اللسان، وما الحرف، وما هو؟ كيف له أن يعرف أن حليب أمه هو غذاؤه اللذيذ والمشبع، وكيف يعرف بأن مثل هذا الحليب لا يمكن الحصول عليه إلا من الثدي ولربما ثدي هذه الأم تحديداً، كيف عرف ذلك وكيف استطاع أن يطلبه بل وأن يصل إليه وهو لمّا يعرف شيئاً من هذه الدنيا بعد؟
الاسم والمسمى
قيل إن الاسم علامة المسمى، وإن الاسم فان في المسمى، وقيل إن الاسم شيء والمسمى شيء والتسمية شيء آخر، وفي العلم الحديث قيل إن السيمانتية Symantic تقف مقابل الترميز Syntax فالسيمانتية في اللغة هي معالجة الدلالة أو المعنى التي قد يعبر عنها نظام للغة أو الرموز هي تفاعل المعلومات المحسوسة مع المفاهيم النظرية، استخدمت هذه اللفظة أول مرة على يد مايكل بريل في القرن التاسع عشر، ووظفت علومها لاحقاً في شتى الميادين أشهر ميدان الكمبيوتر الذي تعتمد لغات برمجته على مفاهيم لغوية عدة أهما هذين المفهومين ومفهوم التفسير interpretion ومفهوم المثال الأولي prototype ولأن التقنية هي غاية ما وصله الإنسان من علوم فإن ذلك يعني أن علوم اللغة هذه إنما هي أثر تفكيره في التفكير أو أثر فلسفته.
يقول الفارابي في كتاب الحروف: بعد تولد الفكرة عند الإنسان تأتي الإشارة ثم، ومن تطور الأصوات تنشأ الحروف والألفاظ، وهكذا تتشكل الألفاظ والكلمات: المحسوس أولا ثم صورته في الذهن ثم اللفظ المعبر عنه.
وفي الإطار ذاته، تفاعل الفلاسفة مع اللغة ومنهم المحلل اللغوي والمهندس الرياضي الفيلسوف الإنجلونمساوي المعروف لودويج فيتجنشتاين، فقال إن اللغة لعبة شطرنج وإن الكلمات بيدق وفيل وحصان وقلعة. فيتجنشتاين تأثر بفريج فقال إن الكلمات لا تكون ذات إحالة إذا استعملت منفردة، ولا تصبح محيلة إلا عندما ترد مستعملة في قلب لعبة لغوية. وإذا كانت الجملة هي النقلة الرئيسة في اللعبة اللغوية، مثلها في ذلك مثل نقل القطعة في لعبة الشطرنج، فإن اللعبة اللغوية بدورها تكون بمثابة الوحدة الرئيسة للفاعلية اللغوية بوجه عام. فيتجنشتاين يعود بعد ذلك إلى ‘’لعبة اللغة’’ لتكون الأساس الذي يبني عليه رسالته المنطقية الفلسفية.
ترجع لعبة اللغة إلى نماذج من اللغة البدائية التي يخترعها فيتجنشتاين لتوضيح كيف يمكن إعمال اللغة عموماً، إنها ترجع إلى اللعبة التي يلعبها الأطفال ليتعلموا اللغة وإلى التعدد في الممارسات اللغوية في اللغة الاعتيادية ولكنها معقدة بنحو يجعلها تتضمن أبعاداً غير ملحوظة في اللغة، إنها تلفت انتباهنا إلى حقيقة أن تعلم اللغة أكبر بكثير من تعلم الكلمات، وتلفت انتباهنا إلى الطريقة التي تعمل بها اللغة لتحرض على إجابات أو فعل معين. إنها كذلك تجعلنا ندرك الطريقة التي يصار بها إلى تعلم هذه اللعبة قبل أن تعلم المفاهيم أو الموضوعات المنفردة التي تستخدم فيها.
في بعض فقرات كتابه، يقول فيتجنشتاين، إنه يعلم طلابه هذه اللعبة لكي يتجاوزوا مفهوم غير المحسوس أو غير المفهوم المتنكر أو الخفي إلى غير المحسوس الواضح.
فريج كذلك، كان يفصل بين المعنى sense وأصل المعنى reference ووصل إلى أنه ليس كل معنى له أصل كما هو الحال مع رقم (لانهاية) الذي لا يرجع إلى شيء ولكنه حقيقة. وقد أثر هذا الفصل بشدة على كثير من علوم اللغة عند فيتجنشتاين الأمر الذي أدى بالتالي إلى تأثر فلسفته الوضعية المنطقية به أيضاً.
والسؤال أين النص الذي نقرأه من جملة هذه الأحاجي؟ وأين المعرفة التي نتلقاها من جملتها أيضاً؟ والأولى أن نقول كيف سنفكر بلحاظ قواعد التفكير في التفكير (التفكير ما فوق المعرفي) ألا يجب أن يعرف الفيلسوف الرياضيات أو الفيزياء حتى يستطيع أن يفكر في ما وراء الفيزياء (الميتافيزيقا) ألا يكون الرجوع إلى كتب ضاهر وأركون على هذا النحو وقوعاً في أسر النص من جديد؟ أليس كل إنسان يخلق وفي فمه سؤال؟ لماذا لا يكون السؤال حاضراً قبل أي نص؟ ما الفرق بين اللعب بالألفاظ أو الكلمات واللعب باللغة؟ لماذا يقول فيتجنشتاين إن مشكلة المشكلات هي علاقة اللغة بالعالم؟
الفلسفة علمنة
سألت باسمة القصاب في إحدى حواراتنا العارضة: ما الفلسفة؟ فقالت: هي السؤال.
يقول نيتشه (إذا أردت الراحة فاعتقد وإن أردت أن تكون من حواريي الحقيقة فاسأل).
‘’ما هو موجود موجود، وما ليس بموجود ليس بموجود’’ هذا هو الديالكتيك الذي قال عنه أرسطو إنه شكل غير برهاني للمعرفة، وهو (مظهر فلسفة) وليس معرفة يقينية، ولا الفلسفة نفسها. إنه معرفة احتمالية، ظنية كما يقول.
ينقل أن الفيلسوف (غرامشي) كان يقول إن كل واحد منا عالم قائم بذاته وفيلسوف على نحو ما. ولكن ماركس (وهو راعي الديالكتيك الحديث بعد هيغل) قال في كتابه (بؤس الفلسفة) إن الفلسفة قد ماتت. أما صاحبنا (لودفيج فيتجنشتاين) فيقال إنه قد ودع الفلسفة كما فعل الغزالي وارتاح في استراحة الصوفية (كان يتحدث عن تصوفه وهو يحارب في الحرب العالمية الأولى). وكان سقراط يقول إنها تكشفنا أننا لا نعرف شيئاً وأن الإجابة عن سؤال تفتح الطريق لسؤالين جديدين.
نقل في بحث في الفلسفة أن تعمق الغزالي في دراسة التيارات الفكرية والفلسفية السابقة كان له دور سلبي فبدلا من اقترابه نحو اليقين بالخالق زاد اقترابه من الشك وانتهى به الأمر بالإصابة بمرض الكآبة وترك مهنة التدريس وكان في تلك الفترة من حياته مقتنعا ان الدليل الوحيد للوصول إلى اليقين بشأن وجود الخالق هو ملاقاته وجها لوجه بعد الموت.
فيتجنشتاين من جديد، يقول إن الفلسفة هي محاولة نقوم بها كي نتحرر من نمط معين الحيرة.. وهذة الحيرة ‘’الفلسفية’’ هي حيرة العقل. ولكنه انتهى في كتابه الشهير إلى عبارة نقض فيها كل دعائم الفلسفة وقال: ما لا نستطيع أن نتحدثه، يجب أن نجتازه بصمت. ويقال إنه بعدها ذهب بعيداً وبنى له كوخاً بنفسه وأمضى عاماً يتأمل.
أكثر ما أثارني وأنا أقرأ عن العلمانية هو أن بعض المنظرين لها كانوا يرون بأنه قد تكون جاءت من الفيلسوف الإسلامي (ابن رشد) الذي فصل الفلسفة كلياً عن الدين، ولكن العلمانية بلفظها (غير المترجم بدقة عن الإنجليزية SECULARISM) لم تكن بحسب (لعبة اللغة) فصلاً للفلسفة عن الدين، وهي لم تظهر على يد هوليوك إنما قد زاد في دلالتها بحسب اللعبة، ولكن أصلها reference إنما يرجع إلى جورج فوت الذي أسس مجلة المفكر الحر FreeThinker تحت شعار (صوت حقيقة الإلحاد) قائلاً إن الحياة تستمر بشكل أفضل ومن الممكن الاستمتاع بها بإيجابية عندما نستثني الدين والمعتقدات الإلهية منها.
والآن و(حسب مبادئ اللعبة أيضاً)، هل لي أن أتساءل هل الفلسفة علمنة؟ أولا يكون الفيلسوف فيلسوفاً إلا حينما يخلع عن نفسه عباءة (الإيمان أو الروح)؟ أن لا يكون هذا الخلع هو مثال القائد الذي يخلع على نفسه بزة عسكرية وهو لا يحارب؟ ألا يكون عزل الإيمان الذي هو للروح عن المادة التي هي للبدن علمانية متصوفة؟ متى يعمل الإيمان في العقل ومتى تعمل المادة وكيف يتضاربان وكيف يتلاقيان؟ أليس هناك نظام للمعاني كما أن هناك نظام للغة والرموز؟ وما مدى أثر فوضى الدلالات في فوضى النصوص؟ أو لا تطرأ على بال الإنسان إذا كان ‘’متديناً’’ أسئلة مثل من ربك ومن أنت وحتى من خلق ربك؟ (أنظر باب الوسواسي في بعض النصوص) ألا يسأل سائل لماذا كان النبي يغزو؟ وهل يحيط النص بالإنسان حتى يحكم عليه مغالق السؤال؟ هل هو عابد للنص أم لله؟ وهل الاسم مثل المسمى؟
إنما كانت هذه شيئاً من الوسائل للمسائل، وإن العقل صاحب السؤال هو صاحب التأمل وهو صاحب التفكر، وتبقى وسائل ومسائل مهمة أخرى لا يحتج العقل بها أكثر من أن يحاجَج.